أساسُ العمران وروحُ الشريعة (العدل في الإسلام) | محمد إلياس السكندري


نشرت: يوم الإثنين،28-سبتمبر-2026

أساسُ العمران وروحُ الشريعة (العدل في الإسلام)

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 23

إنَّ من أعظم القيم التي جاء بها الإسلام، وأشدِّها أثرًا في حياة الأفراد والمجتمعات: العدل

فهو ليس مجرد مفهوم نظري يُذكر في الكتب، أو يكُتب في الكراسات والدفاتر، ولا شعارًا أخلاقيًا يُرفع في الخطابات والبيانات، بل هو ميزان الحياة الذي تستقيم به الأمور، وتُصان به الحقوق، وتُؤدَّى بها الواجبات، ويأمن به الناس على دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم.

ولهذا جعل الله تعالى العدل من المقاصد العظمى التي قامت عليها الشرائع السماوية، وأمر به في كتابه، وكرّره في مواضع عديدة تأكيدًا على مكانته، قال تعالى:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل: 90]

فهذه الآية العظيمة جمعت أصول الخير كلها، وبدأت بالعدل قبل غيره؛ لأنه أساس الاستقامة، وبدونه تضيع الحقوق وتفسد المجتمعات، مهما كثرت الأنظمة أو قويت القوانين.

وإذا تأمّل الإنسان واقع الناس اليوم، وجد أن كثيرًا من الاضطرابات التي يعيشها العالم لا يرجع في حقيقته إلى نقص المال أو ضعف الموارد، بل إلى غياب العدل في مواقعه الصحيحة؛ في العلاقات، وفي الأحكام، وفي التعاملات اليومية وانتشار الجور والظلم حتى في المجتمع الإسلامي.

ومن هنا تتضح مكانة العدل في الإسلام، لا كقيمة مثالية بعيدة، بل كـركيزة أساسية تقوم عليها الحياة كلها، ومنهج يُمارَس في الواقع قبل أن يُقال في الكلام أو يكتب في الكتب.

فالعدل في الإسلام ليس كلمة تُحفظ أو تعريفًا يُتلى، بل هو ميزان دقيق للحياة، يُقوِّم السلوك، ويضبط الحكم، ويمنع الانحراف في القول والعمل.

معنى العدل:

في اللغة: (الْعَدْلُ) ضِدُّ الْجَوْرِ (مختار الصحاح: 1/202)

العدل: ما قام في النفوس أنه مستقيم، وهو ضد الجور. عدل الحاكم في الحكم يعدل عدلا وهو عادل (لسان العرب: 11/430)

أما في المفهوم الشرعي، فهو أوسع وأعمق من ذلك؛ إذ يعني: إعطاء كل ذي حق حقه، في كل ما يتعلق بالإنسان من قولٍ أو فعلٍ أو حكمٍ أو تعامل، بعيدًا عن الهوى والمحاباة والجور والظلم.

كما قالوا في حده: العدل: عبارة عن الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب عما هو محظور دينًا.

العدل: عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط (التعريفات: 1/147)

وبالاختصار أن العدل هو الاستقامة والميل إلى الحق، ووضع الشيء في موضعه الذي يليق به دون زيادة أو نقصان، ولذلك فإن العدل في الشريعة الإسلامية الغراء ليس مجرد مساواةٍ شكلية بين الناس، إذ قد تكون المساواة في بعض المواضع ظلمًا لا عدلًا، وإنما العدل هو وضع كل شيء في موضعه وإعطاء كل ذي حقٍ حقه بحسب حاله واستحقاقه.

ومن هنا يتبين أن الواجب هو الدعوة إلى العدل لا إلى المساواة المطلقة؛ لأن المساواة قد تكون عدلًا إذا تساوت الأحوال والاستحقاقات، وقد تكون جورًا وظلمًا إذا اختلفت الظروف والحاجات.

ولا يقتصر مفهوم العدل على تنظيم علاقة الإنسان بغيره فحسب، بل إن جذره الحقيقي يبدأ من داخل الإنسان نفسه؛ إذ لا يستقيم عدلُه مع الآخرين ما لم يستقم أولًا في داخله.

ومن هنا يظهر أن العدل ليس علاقة بين الإنسان وغيره فقط، بل هو يبدأ من داخل الإنسان نفسه؛ حين يعدل في حياته اليومية بين واجباته ورغباته، وبين شهواته وعقله، وبين دنياه وآخرته.

فإذا استقام هذا الميزان في داخل الإنسان، انعكست استقامته على الخارج، وإذا اختلّ، اختلّت معه كل تفاصيل الحياة.

مكانة العدل في الإسلام

تتجلى مكانة العدل في الإسلام أنه ليس قيمة أخلاقية ثانوية، بل هو أصل من أصول هذا الدين، وغاية من غاياته الكبرى التي لا يقوم المجتمع ولا يستقيم إلا بها؛ إذ يرتبط بجوهر الرسالة الإسلامية ذاتها، ولذلك لم يأتِ الإسلام ليهذب السلوك فقط، بل ليقيم ميزانًا شاملاً للحياة، يكون فيه الحق هو الحاكم، والإنصاف هو القاعدة، والظلم مستبعدًا بكل صوره.

وقد بيّن القرآن الكريم أن إرسال الرسل وإنزال الكتب لم يكن عبثًا، بل لتحقيق هذا المقصد العظيم، قال تعالى:

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: 25]

فالمقصود من الرسالات السماوية كلها أن يقوم الناس بالعدل، وأن تستقيم حياتهم على أساسه، لا على الهوى أو القوة أو المصلحة الشخصية أو الفردية فقط.

ولذلك كان العدل صفةً من صفات الله سبحانه وتعالى، فهو العدل الذي لا يظلم أحدًا، ولا يضيع عنده حقٌّ، قال تعالى:

وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: 49]

ومن هنا كان العدل في الإسلام عبادةً قبل أن يكون سلوكًا، وقربةً إلى الله تعالی قبل أن يكون نظامًا اجتماعيًا، ولذلك اقترن بالإيمان والتقوى في مواضع كثيرة كقوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: 135]

وقوله:

اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8]

وقد رفع الإسلام شأن العدل، وجعل أهله من أحب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى، فقال تعالى:

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: 8]

ثم بيَّن النبي ﷺ عظيم منزلتهم عند ربهم، فقال: إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ (صحيح مسلم: 1827)

ولم يقتصر فضل العدل على ذلك، بل جعل النبي ﷺ الإمام العادل أولَ من ذُكر من السبعة الذين يظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، فقال ﷺ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، وذكر أولهم: الإمام العادل (صحيح البخاري: 660)

ولم يقتصر الإسلام على الدعوة إلى العدل في الظروف السهلة، بل شدّد عليه حتى في أحلك المواقف، ومع أشد الناس مخالفة وبغضًا، فقال تعالى:

وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8]

فهذا توجيه رباني يربّي المسلم على أن العدل لا يتأثر بالمشاعر، ولا يتغير مع الخصومة، بل يبقى ثابتًا مهما تغيّرت الظروف، ولهذا يمكن القول إن العدل في الإسلام ليس مجرد خلق يُمدح، بل هو ميزان يحفظ الدين، ويقوم به نظام المجتمع، وتُبنى عليه علاقة الإنسان بربه وبالناس.

شمول العدل في الإسلام

من أبرز ملامح العدل في الإسلام أنه ليس محصورًا في بابٍ واحد، ولا مقيدًا بمجالٍ دون آخر، بل هو مبدأ شامل في كل تفاصيل الحياة، من علاقة الإنسان بربه، إلى علاقته بنفسه، ثم بالناس من حوله.

أولًا: العدل مع الله تعالى

وأعظم صور العدل على الإطلاق: أن يُعطي الإنسان حق ربه الذي خلقه لأجله؛ وهو الإيمان به وتوحيده وعدم الإشراك به شيئًا، فإن أعظم الظلم ليس ظلم الإنسان لغيره، بل ظلم العبد لنفسه حين يصرف العبادة لغير الله، قال تعالى:

إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  [لقمان: 13]

ثانيًا: العدل مع النفس

ومن العدل الذي يغفل عنه كثير من الناس: العدل مع النفس، فلا يُحمّلها فوق طاقتها، ولا يتركها في شهواتها بلا ضابط شرعي، فالإنسان العادل مع نفسه هو الذي لا يظلمها بالمعاصي والذنوب ولا يهملها حتى تضعف وتضيع، بل يعطيها حقها من العبادة والتربية والراحة في توازنٍ حكيم وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى حين قال: وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا

ثالثًا: العدل مع الناس

وهنا تتجلى الصورة الأوسع للعدل، إذ لا يقتصر على جانبٍ واحد من الحياة، بل يمتد إلى جميع العلاقات والتعاملات الإنسانية، فيكون المسلم منصفًا مع كل من حوله، قريبًا كان أو بعيدًا.

ويشمل ذلك:

  • العدل مع الوالدين، بأداء حقوقهما وبرِّهما والإحسان إليهما دون تقصير أو عقوق.
  • العدل بين الأبناء في التربية والعطاء وإظهار المحبة.
  • العدل بين الزوجات في الحقوق والنفقة والمعاملة لمن كان له أكثر من زوجة.
  • العدل مع الزوج أو الزوجة بأداء الحقوق والوفاء بالواجبات وحسن المعاشرة.
  • العدل مع الأقارب والأرحام، فلا يحمل الهوى على ظلم أحدٍ منهم أو التعدي على حقه.
  • العدل مع الجيران والزملاء وسائر الناس، بإعطاء كل ذي حق حقه.
  • العدل في الحكم والقضاء بين الخصوم، دون ميلٍ إلى طرفٍ على حساب آخر.
  • العدل في المعاملات المالية، بعيدًا عن الغش والخداع وأكل حقوق الآخرين.
  • العدل في القول والشهادة، فلا يُقال إلا الحق، ولو كان على النفس أو الوالدين أو الأقربين. بل إن الإسلام ارتقى بالعدل حتى جعله مطلوبًا مع المخالفين قبل الموافقين، ومع من نحب ومن نكره على حد سواء، قال تعالى:

وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8]

آثار العدل في المجتمعات

ليس العدل في الإسلام فكرة مثالية تُطرح للتأمل فقط، بل هو قوة حقيقية تُبنى بها المجتمعات وتستقيم بها الحياة، وإذا غاب، لم تُغنِ القوانين ولا الأنظمة مهما بلغت من القوة والدقة. فالمجتمع الذي يُقام فيه العدل يشعر فيه الإنسان بالأمان قبل أن يشعر بالقوة، وبالطمأنينة قبل أن يشعر بالرخاء؛ لأن الحقوق فيه مصونة، والموازين فيه مستقيمة، وله آثار قيمة ومفيدة:

1. استقرار المجتمع وانتشار الأمان

من أعظم آثار العدل أنه يُنشئ بيئة آمنة مطمئنة، يعرف فيها كل إنسان أن حقه محفوظ، وأن الظلم غير مقبول. وحينها تختفي كثير من مظاهر الخوف والقلق الاجتماعي، ويحل محلها الثقة بين الناس، فتستقيم المعاملات، وتزدهر الحياة.

2. قوة الروابط بين الناس
العدل يُنتج الثقة، والثقة تُنتج المحبة، والمحبة تُنتج مجتمعًا متماسكًا، أما إذا غاب العدل، حلّ محله الشك، ثم الكراهية، ثم التنازع، حتى تتفكك الروابط شيئًا فشيئًا، ولو بقيت الأجساد متقاربة ولهذا كان العدل من أعظم أسباب حفظ وحدة المجتمع واستقراره.

3. ازدهار العمران والاقتصاد
 المجتمع العادل هو مجتمع منتج بطبيعته؛ لأن الناس فيه يعملون وهم مطمئنون أن جهدهم لن يُهدر، وأن حقوقهم لن تُنتهك، أما في بيئة الظلم، فإن الخوف يقتل الإبداع، ويضعف الإنتاج، ويجعل الناس يبحثون عن النجاة بدل البناء، ولهذا كان العدل أساسًا في نهضة الأمم وقيام الحضارات.

4. زوال الظلم والفساد
وحين يُقام العدل، يضيق مجال الظلم والفساد شيئًا فشيئًا؛ لأن كل حق يجد من ينصفه، وكل مظلمة تجد من يرفعها. أما إذا غاب العدل، فإن الفساد لا يحتاج إلى جهد لينتشر، بل يكفي أن يُترك بلا رادع. فبهذا يظهر أن العدل ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل هو الأساس الحقيقي لبقاء المجتمعات واستمرارها وازدهارها، وبدونه لا تستقر حضارة، ولا تدوم قوة.

5. محبة الله تعالى ونزول البركة
ومن أعظم الآثار التي يغفل عنها كثير من الناس: أن العدل سبب لمحبة الله تعالى، ونزول البركة في الأرض قال تعالى:

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  [الممتحنة: 8]

وقال النبي ﷺ: إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ (صحيح مسلم: 1827)

وفي النهاية والختام!

حين نتأمل هذا المفهوم في ضوء الإسلام، ندرك أن العدل ليس تفصيلًا جانبيًا في الدين، ولا خلقًا يُذكر في المناسبات، بل هو روح الشريعة، وميزان الحياة، وسرّ استقامة الأمم والأفراد.

فالعدل يبدأ من داخل الإنسان، في نظرته لنفسه وربه، ثم يمتد إلى بيته وأسرته، ثم يتسع ليشمل المجتمع كله، حتى يصبح نظامًا متكاملًا يحفظ الحقوق، ويمنع الظلم، ويقيم الحياة على أساس من الإنصاف والرحمة.

وكلما ابتعد الناس عن العدل، اضطربت حياتهم، ولو ملكوا من أسباب القوة ما ملكوا، وكلما اقتربوا منه، وجدوا من الطمأنينة والاستقرار ما لا تصنعه القوانين وحدها، ولهذا كان العدل من أعظم القيم التي جاء بها الإسلام، ليس فقط ليُعرف، بل ليُقام ويُعاش، ويُترجم إلى واقعٍ في كل قولٍ وفعلٍ وتعامل.

فالآن يبقى العدل امتحانًا يوميًا للإنسان في كلمته، في حكمه على الناس، وحتى في حكمه على نفسه وذاته.

فطوبى لمن كان ميزانه قائمًا على الحق، وعدله شاهدًا له لا عليه، يوم لا ينفع مالٌ ولا جاه، وإنما يبقى ما قدّمه الإنسان من إنصاف وعدل.

تعليقات



رمز الحماية