الإخلاص مفتاح لقبول الأعمال


نشرت: يوم الثلاثاء،02-أكتوبر-2018


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:

فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم

أهمية الإخلاص في الأعمال:

الحمد لله أن أكرمنا بالإسلام، وصيرنا من أمة خير الأنام عليه الصلاة والسلام، وخصنا بدينٍ كامل، وشريعة تامة، فتعبدنا بأنواع العبادات، وجعل لنا إليه طرقاً كثيرة ومسالكاً عديدة، من أفعالٍ وأقوالٍ، ومع كثرة هذه الأسباب الموصلة إلى رضى ربنا الرحيم التواب، إلا أن مرد قَبولها يرجع إلى شيءٍ واحد، مردها جميعاً إلى (الإخلاص)، فإن تحقق به المسلم، قُبلَ عمله، وفاز وأنجح، وإن افتقده خاب وخسر.. والإخلاص من أعمال القلوب، وخطورته أنه لا يقبل عملٌ بغير إخلاص كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:

(إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتغي به وجهه). (سنن النسائي: ٤٣٣٣)

الإخلاص في القرآن الكريم:

ويقول الله سبحانه وتعالى عن الإخلاص:.

(إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ) (الزمر: ٢)

(هُوَ ٱلۡحَيُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۗ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ). (غافر: ٦٥)

(وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا). (الإنسان: ٨-٩)

(وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ). (البينة: ٥)

نلاحظ ذكر عبادات وأقوال وأفعال خير مرتبطة مع الإخلاص، فالإخلاص أن تكون أفعالك وأقوالك منسجمة مع توجه وإرادة قلبك، فتصلي وتزكي وتطعم الطعام، وتظهر طيب الكلام، ابتغاء خالق الأنام، فأفعال جوارحك وأقوالها كلها ظاهرة للناس، وينبغي أن تكون في قلبك مريداً لرضى الله تعالى فيها، وأن لا يكون للقلب أي تطلع أو توجه لشيء غيره. فهو توافق حركة الظاهر مع حركة الباطن، وانسجام جوارحك وقالبك مع سريرتك وقلبك....

ولهذا عرفه أهل الله:.

فقال أبو علي الدقاق رحمه الله تعالى: (الإخلاص: التوقي عن ملاحظة الخلق، فالمخلص لا رياء له) (ملخصاً من الرسالة القشيرية: ٢/٣٦٠)

وقال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى: (الإخلاص إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون شيء آخر من تصنعٍ لمخلوق، أو اكتسابِ محمدةٍ عند الناس، أو محبة مدحٍ من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب به إلى الله تعالى).. (الرسالة القشيرية: ٢/٣٥٩)

معرفة الإخلاص:

والإخلاص لا يمكن قياسه ولا ملاحظته وكشفه، وإنما هو سر، كما قال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى: (الإخلاص سرٌ بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوىً فيمليه) (الرسالة القشيرية: ٢/٣٦١) وإنما صاحب العمل هو الحاكم في هذا الأمر، وهو من يتوجب عليه أن يراقب نفسه، ويبذل جهده في تحري الإخلاص، وهو من أشد الأمور على النفس، كما أجاب سهل التستري رحمه الله تعالى عندما سئل: أي شيء أشد على النفس؟ فقال: (الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب) (الرسالة القشيرية: ٢/٣٦١) فالإخلاص ليس تمنياً ولا كلمات وإنما مجاهدة، كما قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء: (اعلم أن الجاهل يسمع ما ذكرناه من الوصية بتحسين النية وتكثيرها مع (قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) فيقول في نفسه عند تدريسه أو تجارته أو أكله نويت أن أدَرّس لله أو آكل لله ويظن ذلك نية وهيهات فذلك حديث نفس وحديث لسان وفكر أو انتقال من خاطر إلى خاطر والنية بمعزل من جميع ذلك وإنما النية انبعاث النفس وتوجهها وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلاً وإما آجلاً) (إحياء علوم الدين: ٤/٣٧٣)

أثر توجه القلب إلى غير الله:.

فمن يكن مراده غير الله فسيناله، ولكن لا يمكن أن يطلب على هذا ثواباً من الله تعالى، فمن قاتل ليرى الناس شجاعته ويُحكى عن بطولاته، فإنه سينال مراده ويُحكى عنه، ولكن يوم القيامة لا يقول (قاتلت في سبيل الله) فإنه سيقال له (كذبت) ويلقى في النار وكذلك من تعلم العلم وعلمه للناس، ومن قرأ القرآن وعلمه ومن أنفق المال، فمن أراد أن يعرف بين الناس بذلك ويقال عنه، فإنه سيقال ويوم القيام سيكون إلى النارِ المآل..

فضل انبعاث القلب لله في العمل:.

فقدان الإخلاص يبطل العمل ويذهب الأجر، وعلى العكس فإن حضور النية وتحققها يكسب العبدَ الثواب والأجر وإن لم يقدر على العمل، كما ورد في الحديث عندما رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك قال:.

(إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم) قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر» (صحيح البخاري: ٤٤٢٣).

فالنية خير وأبلغ من العمل..

فلنحرص يا أخي على تحري الإخلاص في أحوالنا، وأن تكون دوافعنا رضى الله يوم نلقاه.

تعليقات



رمز الحماية