احذر! أن الله يراك؟!


نشرت: يوم السبت،03-نوفمبر-2018


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:

فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم

إن الله سبحانه وتعالى لا يغيب عن علمه مثقال ذرة، فهو يعلم السر وأخفى، يعلم ما تسر الأنفس وما تبطن،

(أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ) (سورة الملك: ١٤)

فهو سبحانه محيطٌ بنا (بعلمه) ومطلع على كل أحوالنا...

ونحن في زمان كثرت الفتن والمحرمات والمفاسد، وأصبحت ميسرة للجميع، ويمكن الوصول إليها بسهولة، المحلات التي توفرها، والأماكن التي تهيئ بيئتها، بل أصبحت أدوات وأبواب الحرام متوفرة في كثير من البيوت، كالتلفاز والحاسوب والهاتف الجوال والانترنت، بمعنى أنك لو أردت أن تفصل نفسك أو عائلتك عن بيئة الفتن والمحرمات، فإن الأمر أصبح صعباً في زماننا، لأن أبواب هذه المفاتن أصبحت في كثير من البيوت.... مما أدى إلى كثرة الوقوع في الحرام، فتجد أحدهم يستتر من الناس وإذا خلا بنفسه يسارع إلى الحرام، وقد ورد في الحديث أن النَّبِىِّ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قَالَ:

«لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا»

قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ:

«أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (سنن ابن ماجه: ٤٢٤٥)

أعاذنا الله وإياكم من هذا البلاء وخطورته...

ينتهكون المحارم ويغفلون عن أن الله مطلعٌ عليهم، يرى فعلهم،

(وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ) (سورة يونس: ٦١)

وإذا كان الإنسان يستحيي من أن يراه الناس فالأولى له أن يستحيي من الله جل وعلا، يقول سبحانه:

(يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا) (سورة النساء: ١٠٨)

وهذا فيه جرأة كبيرة، وإقحام للنفس في المهالك، ووقوع فيما لا يليق بمسلم، وما هذا إلا لضعف مراقبة الله تعالى، لو استحضر عند خلوته أن الله يراه لاستحيا منه سبحانه،

والمراقبة هي أن تستحضر على الدوام أن الله لا يخفى عليه شيءٌ من أمرك.

قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: المراقبة أن تكون أبدا كأنك ترى الله عز وجل. (إحياء علوم الدين: صـ ٣٩٧ ملخصاً)

وسئل الحارث المحاسِبي عن المراقبة فقال: علم القلب بقرب الله تعالى. (إحياء علوم الدين: صـ ٣٩٧)

خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ذات ليلة مع خادم له يدعى أسلم ليتفقد أحوال الرعية بالليل، ثم جلس ليستريح بجوار أحد الجدران فسمع امرأة تقول لابنتها: يا بنيتي، هيا قومي فاخلطي اللبن في الماء، فقالت الفتاة لوالدتها: يا أماه! أما سمعت ما قاله منادي أمير المؤمنين اليوم؟ فقالت الأم لابنتها: وما قاله منادي عمر؟ فقالت الابنة: إنه أمر ألا يخلط اللبن بالماء، فقالت الأم لابنتها: يا بنيتي قومي فاخلطي اللبن بالماء فإنك في موضع لا يراه عمر ولا منادي عمر، فردت الفتاة على والدتها: والله يا أماه ما كنت أطيعه في العلن وأعصيه في الخفاء، وإن كان عمر لا يرانا فإن الله سبحانه وتعالى يرانا.

فهذه هي المراقبة لله تعالى والخشية منه سبحانه، فحرص عمر رضي الله عنه على أن يزوجها أحد أبناءه ثم شاء الله أن يكون من نسلها الخليفة العادل (عمر بن عبد العزيز) رحمه الله تعالى، (عيون الحكايات، الحكاية الثانية عشرة، ملخصاً)

وما هذا إلا بمراقبة الله وحضوره الدائم في القلب في مختلف شؤون الحياة، وهذا يتطلب تربية روحية، وتقوية إيمانية، ترتقي بالعبد إلى هذا المقام، هذا المقام هو أعلى المقامات وأرفع الدرجات، وفي الحديث الصحيح سأل جبريل عليه السلام: فأخبرني عن الإحسان؟ فقال سيدنا النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:

«أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». (صحيح مسلم: ٨)

إنه يراك، فالحذر الحذر من الاجتراء، واعلم أن الإنسان نتيجة خلواته، وما بلغ الصالحون مرتبة الولاية إلا لانشغالهم في خلواتهم بذكر الله تعالى والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم...

تعليقات



رمز الحماية