لا يستوي الخبيث والطيّب | المفتي محمد قاسم العطاري


نشرت: يوم الجمعة،09-سبتمبر-2022


إنّ الله تعالى قال:

﴿قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠٠﴾

تفسير هذه الآية:

لا يستوي الحلالُ والحرامُ، ولا الصالحُ والطالحُ، ولا الكافرُ والمسلمُ، ولا المطيعُ والعاصي، ولا الأصلي والمزوَّر، بل المقبول عند الله تعالى الحلالُ لا الحرامِ والصالحُ لا الطالح والمسلمُ لا الكافر والمطيع لا العاصي والأصلي لا عن المزيف والمزور؛ لأنّ الطهارةَ والنجاسةَ لا تستويان، ولا يمكنُ جعل النجس مساويًا للطاهر، ولو أعجبتك كثرةُ الخبيثِ لمعانها أو نفعها المادي، وإنْ كان أهلُ الدنيا في الحقيقة يحبُّون كثرةَ المال والمتاع ومُغريات الحياة الدنيا ولكن أصلَ الأصول أنّ النعم التي عند الله تعالى هي الأعلى والأفضل والأكثر قبولاً عنده؛ لأنّ زينةَ الدنيا وحياةَ الرفاهية والسعةَ في الرزق والمال والنعم الدنيوية ستنتهي وتزول، أما النعمُ الأخرويةُ فهي باقية أبدية، ولذلك ليس من الحكمةِ والمنطق أن يُشاهد المرءُ الأوصاف الظاهرية لشيء ما ويُغلِق عينيه، أو أن يرى العسلَ ويغضّ النظرَ عن السم المختبئ داخله، فلذلك يا أصحاب العقول النيرة! اتقوا الله تعالى واتركوا الخبيث وإنْ كثر، وتمسّكوا بالطاهر وإنْ قلَّ، لتنجوا من الهلاك وتنالوا الفلاح الحقيقي

توجد في القرآن الكريم آياتٌ عديدةٌ تَنفي عدمَ مساواة أصحابِ الأعمال الطيّبة بالخبيثة أو الخيرِ بالشر، فإنّ الله تعالى قال:

﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ ١٩ وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ ٢٠ وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلۡحَرُورُ ٢١ وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ ٢٢﴾

وقال في مقام آخر:

﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨﴾

وكذا قال الله تعالى:

﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٢١﴾

وقال في سورة أخرى:

﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥ مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٦﴾

ملخصُ الآياتِ:

أنّ أعمى القلبِ وهو الكافرُ مع المؤمن الذي في قلبه يَسطع نورُ الإيمان لا يتساويان، ظلمةُ الكفر لا تساوي نور الإيمان، ظِلُّ الرحمة الإلهيّة ليس كنارِ الغضب الإلهي، وهكذا المؤمنُ الذي يحيا بإيمانِ قلبه حياةً أبديةً لا يستوي بالكافر الذي يموتُ بكفر قلبه، الفاسقون لا يُساوون الصالحين، الفجارُ لا يساوون الأتقياء، لا يجوز تسويةُ المتقين بالفَجَرَة، كيف يستوي الناسُ الذين يغرقون في الكفر والمعصية بالمؤمنين الصالحين الذين يتصفون بالإيمان والتقوى؟ حياتهما وموتهما يختلفان بكل تأكيد، هل يمكنُ أنْ نعتبرَ المطيعين كالمجرمين؟

كلمة الخبيث والطيّب تشمل أمورًا وأشياء كثيرة:

1- الحلال والحرام:

ذرّة الحلالِ خيرٌ من كنوز الدنيا بأكملها، يُؤجر المرء على إنفاق الدرهم الواحد من الحلال بينما لا يؤجر على إنفاق جبل ذهب من الحرام، بل هو معرّض للعذاب، لما رُوي عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:

"أيّها النّاس! إنّ الله طَيِّبٌ لا يَقبلُ إلا طَيِّبًا"

لا تُقبل الصدقةُ من المال الحرام، ولا يُبارك لصاحبها على الإنفاق، وإنْ ورَّث ورّثته يُعذَّب بذلك بينما لا يُعذَّب على الحلال ولو كان جبلَ ذهب، إنما يثابُ عليه بنيّة الثواب، وكاسبُ الحلال صديق الله تعالى، والنبي ﷺ قال:

التاجر الصدوق الأمين مع النبيّين والصدّيقين والشهداء

ومن جانب آخر: لو كسبَ فلسًا واحدًا من الحرام فإنه يُعذّب على ذلك، لما رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال:

إنّه لا يَربُو لحمٌ نبَتَ من سُحْتٍ إلا كانت النارُ أَولَى به

2- لا تستوي الحسنةُ بالسيئة:

لا تستوي الحسنةُ بالسيئة؛ لأنّ لذةَ السيّئة مؤقّتةٌ تزول بعد فترة يسيرة، وإثمها وعقابها باقيان، بينما مَشقّة الخيرِ تنتهي بعد فترة وجيزة، ولكن أجرها يبقى إلى الأبد، كما قال الرسول ﷺ:

"البرّ لا يَبلى، والإثم لا يُنسى، والديّانُ لا يموت"

وقال الله تعالى في كتابه الكريم:

﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ ٨﴾

3. الكافرُ والمؤمنُ لا يستويان:

الدنيا بالنسبة إلى الكافر مُهلة حتى ولو ملك الكافرُ خزائن الأرض كلها، ففي نهايتها سينال عذابًا أبديًّا، أما المؤمنُ فلو حلَّت عليه مصائبُ الدنيا كلها فهي مؤقّتة، الدنيا للمؤمن بمثابة السجن، وبعد ذلك سينعم بنعم أخروية أبدية في الجنة لا تزول أبدًا، ويعيش فيها إلى الأبد، لقوله تعالى:

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦ مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧ لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨﴾

وجاء في الحديث أنّ الرسول ﷺ قال:

"الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر"

وفي القرآن الكريم:

﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ ٦ فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ٧ وَأَمَّا مَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ ٨ فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٞ ٩ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا هِيَهۡ ١٠ نَارٌ حَامِيَةُۢ ١١﴾

وكذا قال الله تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ ١٩ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ ٢٠ فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ٢١ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ٢٢ قُطُوفُهَا دَانِيَةٞ ٢٣ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَآ أَسۡلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡأَيَّامِ ٱلۡخَالِيَةِ ٢٤ وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُوتَ كِتَٰبِيَهۡ ٢٥ وَلَمۡ أَدۡرِ مَا حِسَابِيَهۡ ٢٦ يَٰلَيۡتَهَا كَانَتِ ٱلۡقَاضِيَةَ ٢٧ مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ ٢٨ هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ ٢٩﴾

4- الفاسق والصالح لا يستويان:

وذلك؛ لأنّ الفاسقَ مبغوضٌ عند الله تعالى وعند الملائكةِ وعبادِه المقبولين، بينما الصالح محبوبٌ عند الله تعالى والملائكةِ المكرّمين وعبادِ الله المقرّبين، ورد في الحديث: عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال:

"إذا أحبّ اللّهُ العبدَ نادى جبريلَ عليه السلام: إنّ اللّه يحبّ فلانًا فأَحبِبه، فيحبّه جبريلُ، فينادي سيدنا جبريلُ عليه السلام في أهل السّماء: إنّ اللّه يحبّ فلانًا فأَحِبُّوهُ، فيحبُّه أهلُ السماء، ثمَّ يُوضَعُ له القبولُ في الأرض"

5- الأخلاق الطيّبة والسيّئة لا تستويان:

الأخلاق السيّئة كالتكبّر والحرص والحسد والبغضاء باعثةٌ للذلّ والمسكنة في الدنيا، وفي الآخرة باعثة للهلاك، و الأخلاق الطيّبة كالتواضع والشفقة والقناعة والشكر باعثة للراحة في الدنيا وباعثة للنجاة في الآخرة.


#مركز_الدعوة_الاسلامية
#مركز_الدعوة_الإسلامية
#الدعوة_الإسلامية
#مركز_فيضان_المدينة
#مؤسسة_مركز_الدعوة_الإسلامية

تعليقات



رمز الحماية