عنوان الكتاب: عناية النحو على هداية النحو

البصريين فإنّهم يختارون إعمال الفعل الثاني اعتباراً للقرب والجوار، والكوفيون([1])يختارون إعمال الفعل الأوّل مراعاة للتقديم والاستحقاق،



([1]) قوله: [والكوفيون] والمراد بالكوفيّين النحاة المنسوبة إلى "الكوفة" ومن كان على مذهبهم، فإنّهم يختارون إعمال الفعل الأوّل مع تجويز إعمال الفعل الثانِي مراعاة للتقديم والاستحقاق؛ لأنّ المقدّم أحقّ بأخذ الحكم من المؤخّر؛ لأنّ التقديم من وظائف الأصل، والأصل أولى بأخذ الحكم، ولأنّ إعمال الفعل الأوّل لا يستلزم الإضمار قبل الذكر وإعمال الثانِي يستلزمه، واستدلّوا أيضاً بقول امرأ القيس ع

وَلَوْ أنَّمَا أسْعٰى لِاَدْنىٰ مَعِيْشَةٍ

 

كَفَانِيْ وَلَمْ اَطْلُبْ قَلِيْلٌ مِنَ الْمَالِ

حيث قالوا: إنّ ½كفانِي¼ و½لَم أطلب¼ تنازعا في ½قليل من المال¼ وامرأ القيس من شعراء العرب الفصحاء أعمل الأوّل فلو لَم يكن إعمال الأوّل أولى لَما اختاره بدليل أنّ الفصيح لا يختار إلاّ الوجه المختار، فلمّا اختاره دلّ على أنّ إعمال الأوّل هو المختار، وأجيب عنه بأنّ قوله هذا ليس من باب التنازع لأجل فساد معنى البيت على تقدير تنازع ½كفانِي¼ و½لَم أطلب¼ في ½قليل من المال¼ حيث يلزم التناقض وخلاف المقصود؛ لأنّ كلمة ½لَوْ¼ إذا دخلت على الشرط والجزاء أو المعطوف على أحدهما تجعل المثبت منها منفيًّا والمنفيّ منها مثبتاً، فإذا قلت: ½لو أكرمتني أكرمتك¼ فالإكرامان منفيان، وإذا قلت: ½لو لَم تكرمنِي لَم أكرمك¼ فالإكرامان مثبتان، فعلى هذا قوله: ½ولو أنما أسعى لأدنَى معيشة¼ يستلزم انتفاء سعيه لأدنَى معيشة أي: انتفاء طلبه قليلاً من المال؛ لأنه مثبت وقع في سياق ½لَوْ¼، وكذا قوله: ½كفانِي قليل من المال¼ يستلزم انتفاء كفاية قليل من المال، فلوكان قوله: ½ولَم أطلب¼ متوجّهاً إلى ½قليل من المال¼ كما زعموا استلزم كونه طالباً لقليل من المال؛ لأنه صار مثبتاً بالعطف على جزاء ½لَوْ¼، فيلزم من المصراع الأوّل أن لا يكون الشاعر طالباً لقليل من المال، ومن المصراع الثانِي أن يكون طالباً له وهذا تناقض بيّن، وكذا يلزم من المصراع الأوّل انتفاء كفاية قليل من المال، ومن الثانِي ثبوتُ طلبه وهو غير مقصود، فثبت أنّ الفعل الثانِي غير متوجّه إلى ما توجّه إليه الفعل الأوّل، بل الأوّل متوجّه إلي ½قليل من المال¼ والثانِي متوجّه إلى ½الْمجد المؤثّل¼ الْمحذوف

بدلالة البيت الثانِي وهو قوله: شعر

وَلَكِنَّمَا أَسْعىٰ لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ

 

وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْمُؤَثَّل أمْثَالِي

فكان المعنى: أنه لو ثبت سعيي لأدنَى معيشة كفانِي قليل من المال ولَم أطلب المجد المؤثّل، أي: الملك العظيم، ولكنّما أسعى لِمجد مؤثّل، فلا يكون من باب التنازع، "غ".




إنتقل إلى

عدد الصفحات

279