عنوان الكتاب: المقامات الحريرية

فأُلْحَقَ بالأخْسَرِينَ أعْمالاً [1] الَّذِينَ ضلّ سعْيُهُمْ في الحياةِ الدُنْيا, وهُمْ يحْسَـبُونَ أنّهُمْ يُحسِنُونَ صُنْعاً, على أنّي [2] وإنْ أغْمَضَ لي الفَطِنُ المُتغابي, ونضَحَ عنّي المُحبُّ المُحابي, لا أكادُ أخْلُصُ منْ غُمْرٍ جاهِلٍ [3], أو ذي غِمْرٍ متَجاهِلٍ, يضَعُ مني لهَذا الوضْعِ, ويندّدُ بأنّهُ منْ مَناهي


 



[1] قوله: [فأُلحَقَ بالأخْسَرِينَ أعْمالاً...إلخ] و½ألحق¼ منصوب بتقدير ½أنْ¼ للفاء الداخلة عليه, وهو جواب للنفي, كما في قوله تعالى: ﴿ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا [الفرقان:٧], و½أعمالاً¼ منصوب على التمييز من ½الأخسرين¼, وإنما استُعمل بصورة الجمع وكان القياس أنْ يكون مفرداً لتنوّع الأهواء, و½ضلّ سعيُهم¼ خابت أعمالُهم, فلم يترتب عليه ثوابٌ, وأصل ½ضلّ¼ تحيّر فلم يدر أين يتوجّه, وأصل ½السعي¼ المشي بسرعة, و½في¼ متعلّق بـ½السعي¼, و½يحسنون صنعاً¼ أي: يعملون الحَسنات, وهو اقتباس من القرآن الكريم. قال الله تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا [١٠٣] ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا [١٠٤] ﴾ [الكهف:١٠٣-١٠٤] سئل أبو بكر الورّاق عن هذه الآية فقال: هو الذي يُبطِل معروفَه في الدنيا مع أهلها بالمِنّة وطلب الشكر على ذلك, ويُبطِل عبادتَه بالرياء والسُّمعة. (الشريشي, المصباحي, مغاني)

[2] قوله: [على أنّي وإنْ أغْمَضَ لي...إلخ] ½على أنّي¼ أي: مع أني, و½أغمض¼ تسامح وتساهل وتجاوز, و½الإغماض¼ في البيع والشراء, هو المساهلة والمسامحة فيهما, قال الله تعالى: ﴿ وَلَسۡتُم بِ‍َٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ [البقرة:٢٦٧], و½الفطن¼ ذو الفهم والعلم, وقيل: الذكيّ السريع الفهم, و½المتغابي¼ المتغافل المتباله مع ذكائه ومعرفته, وحقيقته مُظهِر الغَباوَة وهي قلّة الفطنة, و½نضح عنّي¼ أي: دفع وذبّ عني, و½نضح الرجل عن نفسه¼، إذا دفع عنها بحجة, و½هو ينضح عن فلان¼، أي يذب عنه ويدفع, و½المحاباة¼ المسامحة والمراعاة, وهو من الحباء وهو العطاء, يقال: ½حاباه في البيع¼ إذا راعاه ونقص له من الثمن و½المحابي¼ الذي يفضّلني على غيري. (مغاني, الرازي)

[3] قوله: [لا أكادُ أخْلُصُ منْ غُمْرٍ جاهِلٍ...إلخ] و½الغُمر¼ -بالضمّ- الذي لم يجرّب الأمور, و-بالكسر- الحِقدُ والغلّ, و½المتجاهل¼ الذي يتكلّف إظهارَ الجهل مِن نفسه, و½يضع مني¼ أي: يحطّني من درجتي, و½لهذا الوضع¼ أي: لهذا التأليف والتصنيف, و½ندّد به¼ أي: صرح بعيوبه وسمّع فيه بالقول المكروه والذكر القبيح, و½مَناهي الشرع¼ أي: مما نهى عنه الشارعُ؛ لأنه كذب, وهو جمع منهي, والمعنى: وإن سدّ عينيه عن عيبي فطنٌ ذو عقل أو تغافل حين يبصر لي خطأ أو رأى لي ذلك العيب محبٌّ فجعل يدفعه عنّي لمحبّته لكلامي فلا أخلص مع ذلك إمّا مِن جاهل يعيب ما لا يفهم أو من عارف يظهر لي عداوةً وحسداً, فيردّ حسَني قبيحاً وهو عارف بحسني فيشيع في الناس أنّ المقامات أكاذيب, وهو عارف بفضلها وما قصد بها. (مغاني, الشريشي, الرازي)




إنتقل إلى

عدد الصفحات

132