عنوان الكتاب: المقامات الحريرية

فـزَحـزَحَتْ شفَـقاً غشّى سَنا قمَـرٍ

 

وساقَـطَتْ لُـؤلؤاً مـن خاتَمٍ عطِـرِ [1]

فحارَ الحاضِرونَ لبَداهَتِه [2], واعتَرَفوا بنَزاهَتِه, فلمّا آنَسَ استِئْناسَهُمْ بكَلامِهِ [3], وانصِبابَهُمْ إلى شِعْبِ إكْرامِهِ, أطْرَقَ كَطَرْفَةِ العَينِ, ثمّ قال: ودُونَكُمْ بيتَينِ آخَرَينِ, وأنشدَ:


 

 



[1] قوله: [فزَحزَحَتْ شفَقاً...إلخ] ½زحزحت¼ أي: بعّدت ونحَّت وأزالت, ½شفقا¼ أي: نقاباً أحمر, و½الشفق¼ الثوب المصبوغ بالحمرة القليلة, و½الشفق¼ بقية ضوء الشمس وحمرتها في أوّل الليل إلى قريب العتَمة, و½غشّى¼ أي: غطّا, قال الله تعالى: ﴿يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ[الأعراف:٥٤], أي: يغطي الليل النهار, ½السنا¼ ضوء, و½ساقطت¼ أي: أسقطت, و½لؤلؤاً¼ أي: كلاماً مثل اللؤلؤ, ½من خاتم عطر¼ أي: من فم مثل حلقة الخاتم في صغره وطِيب النَّكهَة, وبيتُ الحريريّ في صنعة البديع فائقٌ -وإن لم يأت بعدد تشبيهات- بيتَ أبي الفرَج, وبيانه: أنّ أبا الفرَج يصِف امرأةً باكيةً, فيقول: إنها نثرت دُموعَها على مَن قتلت مِن عشاقها, فسقطت على خدّها فبلَّلته, وعضّت على أصابعها المصبوغة بالحِنّاء بأسنانها, فجعل البيت كلَّه استعارة, فقابل الحريريُّ هذا بقوله: ½فزحزحت شفقاً¼ وهو يريد نقاباً أحمر, وذكر ½سنا قمر¼ وهو يريد ضوء وجهها, وذكر لؤلؤاً من خاتم, وهو يريد كلاماً من فم, والبيت الثاني في مقابلة بيت أبي الفرَج, والأول توطئة له, وهو يصف امرأة زارتْه متنقّبة فسألها أنْ تكشف عن وجهها وتحدّثه, فأزالت نقابها وأسمعتْه كلاماً حسناً من فم عطر. (مغاني, الشريشي)

[2] قوله: [فحارَ الحاضِرونَ لبَداهَتِه...إلخ] ½حار¼ و½تحيّر¼ إذا لم يهتد لشيء, قوله: ½لبداهته¼ أي: لارتجاله وإنشاده من غير فكرة, و½بده في كلامه¼ إذا لم يتفكّر فيه, وقوله: ½بنزاهته¼ أي: برفعته وبُعده من التهمة بسرقة الشعر. (الشريشي)

[3] قوله: [آنَسَ استِئْناسَهُمْ بكَلامِهِ...إلخ] ½آنس¼ أي: علم, قال الله تعالى: ﴿فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا[النساء:٦] أي: علمتم, والأصل فيه: أبصرتم, ومنه أخذ ½إنسان العين¼ أي: حدَقتها التي تبصر بها, ويقال: أنَس الشيء واستأنسه, أي: رآه, قال الله تعالى: ﴿ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا[طه:١٠], أي: رأيت ناراً, و½استئناسهم¼ أُنْسَهم وتركهم الإنكار, و½انصبابهم¼ أي: ميلهم, و½الشعب¼ الطريق في الجبل, و½أطرق¼ أرخى عينه ينظر إلى الأرض ساكتا, و½طرفة العين¼ إطباق أحد الجفنَين على الآخَر, و½دون¼ بمعنى الأمر, تقول: ½دونك الدرهم¼ أي: خُذه, وأيضاً بمعنى الإغراء, تقول: ½دونك زيد¼ أي: الزمه في حفظه, ومعناه: خذوا حذركم واسمعوا. (مغاني, الشريشي)




إنتقل إلى

عدد الصفحات

132