من أين نجد السعادة؟


نشرت: يوم السبت،25-أغسطس-2018


Document

اختلف العقلاء والمفكرون في تعريف السعادة، وفي تحديد مفهومها، هل هي أمر بيولوجي مادي جسمي أم هي حالة مزاجية بحسب الحالة الاجتماعية والعلاقات البينية، أم هي أمر نفسي، وكذلك هناك تساؤلات فيها: هل تحصيل السعادة يكون بالمال أو بامتلاك الأشياء أو بالسلطة والمناصب والانجاز والنجاح أو هي الصحة أو بالأولاد أو بالنساء...؟

ونحن كمسلمين نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى خلق الكون وما فيه لحكمة بالغة، وخلق الإنسان ولم يتركه سدى، وإنما لمهمة عظيمة، واختصنا بأفضل الكتب وأفضل الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وأكرمنا بالرسالة الخالدة، وتركنا على المحجة البيضاء، فلا زيغ ولا ضلال ما دمت عليها، وفي هذا المقال سنركز على ما ورد في الإسلام عن السعادة ومفهومها:

السعادة في القرآن الكريم هي سعادة الآخرة:

قال تعالى:

(يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ (١٠٥) فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ (١٠٧) ۞وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ) (سورة هود: ١٠٥ - ١٠٨)

هذا الموضع الوحيد الذي ورد فيه لفظ السعادة في القرآن الكريم، والذي يخبرنا فيه ربنا سبحانه وتعالى أنه عندما يأتي يوم القيامة، وهو يوم بعث الناس من قبورهم للحساب والعرض على الله تعالى، على ما قدموا في الحياة الدنيا، يخبرنا جل وعلا أن الناس سيكونون في هذا الموقف فريقين: (فريق سعيد، وفريق شقي)، وأن فريق السعداء سيكون مصيرهم إلى الجنة خالدين فيها، وأما فريق الأشقياء فمصيرهم إلى النار خالدين فيها أبداً..

فهناك سعداء لأن مصيرهم هو الجنة وما فيها من نعيم، وهناك أشقياء لأن مصيرهم النار لما فيها من عذاب، وحتى نعرف ما السعادة؟ نحتاج إلى معرفة ما في الجنة؟ حتى اُطلِق على أهلها بالسعداء، وبذلك نعرف محددات ومقومات السعادة..

الجنة هي جائزة الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين، ففيها نعيم عظيم، منه امتلاك البيوت والقصور التي تأخذ الألباب وتسحر العقول، ومنه توفر الملذات التي تشتهيها الأنفس من الطعام والشراب وغيرها... مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ومنه قوة الجسد وسلامته، ودوام الصحة والعافية، فلا مرض يُنغص عليهم نعيمهم، ومنه كمال النفس، وحسن الأخلاق، وسلامة الصدور من كل الشوائب والمنغِّصَات، ومنه أن أهل الجنة خالدين لا موت يقطعهم عن هذا النعيم، ومنه أن الجنة ونعيمها باقية لا تُفنَى ولا تُنفَد، ومن أعظم نعم الجنة مرافقة سيد الخلق سيدنا ومولانا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ومن أعظم نعم الجنة نيل رضوان الله ورؤيته سبحانه...

والسؤال الآن كيف لنا أن نكون من فريق السعداء ومن أهل الجنة والنعيم في الآخرة؟

يكون ذلك بالإيمان بالله والعمل الصالح، وتجنب كل المحرمات وأداء كل الفرائض، والاجتهاد في السنن والنوافل..

هذه هي الأركان الرئيسية، والخطوط العريضة للخارطة الموصلة إلى الجنة.. التي تقول ما معناه أنه علينا الانضباط بالدين الذي ارتضاه لنا ربنا سبحانه، وأن نحيا على وفقه، وبحسب توجيهاته، وأما ميدان تطبيق هذه الأركان والعمل لنيل الجنان فهو الحياة الدنيا التي جعلها الله تعالى للإنسان دار اختبار وابتلاء، لا دار قرار وبقاء، فلم يُخلق الإنسان ليبقى فيها، ولم تُخلق الدنيا لتدوم، فكلانا مفارق للآخر، وعليه فلا يمكن أن تصل علاقتنا مع الدنيا إلى رتبة الصحبة والصداقة والمودة، فهي معبر لغاية أعظم ونعيم أكرم..

السعادة في الدنيا:

كون القرآن أخبرنا أن السعادة في الآخرة والجنة، فهل يعني أن الدنيا خالية عن أي لونٍ من ألوان السعادة؟ هل هي دار حزن وألم وشقاء؟

كما أن نعيم الجنة فيه الامتلاك واللذائذ والصحة الجسدية، فإن هذا الأمر متوفر في الدنيا وقد أثنى عليه الشارع، فقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:

(أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء) (صحيح ابن حبان: ٤٠٣٢)

فالسعادة موجودة في الدنيا ومطلوبة، والدين قد رغبنا في تحصيلها، وفي الدنيا أساس السعادة هو الرضا والقناعة، ترضى بما يقضي حاجتك في الدنيا، وييسر شؤونك ويسهل عليك حياتك فيها، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:

(من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا) (سنن الترمذي: ٢٣٤٦)

لأننا كما ذكرنا أن الدنيا ليست غاية وإنما وسيلة ومعبر للسعادة الباقية، ولهذا كان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يدعو معلماً لنا

(اللهم لاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا) (سنن الترمذي: ٣٥٠٢)

وكما أن نعيم الجنة فيه كمال النفس وحسن الأخلاق وسلامة الصدور، فكذلك الأمر ميسر في الدنيا لمن أراد، فتجاهد نفسك في تربيتها وتزكيتها خاصة على يد شيخٍ مربٍ مأذونٌ في التربية، يقول تعالى:

(قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا (٩) وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا) (الشمس: ٩-١٠)

ومما يعين على كمال النفس وسلامة الصدر، الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فتحيا سليم الصدر خالياً من الغش والغل والحقد والحسد والضغينة والكراهية، تحيا براحة وطمأنينة وهناء.

وكما أن نعيم الجنة فيه مرافقة الحبيب صلى الله عليه وسلم، فكذلك الأمر ميسرٌ في الدنيا لمن أراد، فها هي سيرته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وسنته وأخلاقه فينا، فما علينا إلا أن نكثر من الاطلاع على سيرته العطرة وأيامه الطيبة، وأن نتعلم سنته، ونطلع على أخلاقه الكريمة وشمائله الحميدة حتى نتأسى بها ونتمثلها في حياتنا كلها، ونكثر من الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حتى نزيد من ارتباطنا وصلتنا به صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عسى أن يكرمنا ربنا بمرافقته في الجنة..

وكما أن أعظم نعيم الجنة هو القرب من الله ونيل رضوانه، فكذلك الأمر ميسرٌ في الدنيا لمن أراد، وذلك بأن تجعل قلبك حاضراً مع الله سبحانه وتعالى في العبادات وفي غيرها، وفي كل شؤون حياتك، فيكون شعارك فيها

(أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (صحيح البخاري: ٥٠)

وتتوصل إلى هذه الحال بالإكثار من ذكر الله تعالى، والأفضل أن يكون الذكر على يد شيخ مربٍ مأذونٍ بالذكر والتربية والإرشاد، عندها تنال الراحة والطمأنينة الناتجة عن الصلة بالله تعالى.

إذن فكل نعيم الجنة موجود في الدنيا لمن استطاع أن يربط وجوده وحركته فيها بالله عز وجل فالامتلاك والبيوت واللذائذ والصحة والأخلاق لله، فيشكره على هذه النعم، ويتنعم بها فيما يرضي الله عنه.

نعيم الدنيا بأن يجعل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حبيبه ومرشده وقدوته وأسوته، وبأن يجعل الله حبيبه وقريبه ومراقبه في كل شؤون حياته.. فكل ما أوتينا من نعم في الدنيا نجعل الوصول إليها واستخدامها على وفق ما يرضي الله عنا، شاكرين له سبحانه..

فالارتباط يكون بالله والصلة الدائمة معه، وحضور القلب مع الله، فإن كان الله معك فلا يهمك من عليك، وإن وجدت الله فلا يهمك من فقدت، فتعيش الدنيا بحلوها ومرها، وتعبرها بكدرها وحزنها وسهلها، مع الطمأنينة والراحة والسكينة، فإن أردت أن تبحث عن السعادة فابحث عنها في قلبك، في قلبٍ مرتبطٍ بالله، في قلبٍ ممتلئ بالإيمان واليقين بالله، في قلبٍ ينفر من الحرام ويدفعك للطاعة، في قلبٍ تلين الجوارح معها للعمل الصالح..

فالسعادة من الله وبالله وفي الله ولله...

تعليقات



رمز الحماية