عنوان الكتاب: منتخب الأبواب من إحياء علوم الدين

أما العلة الأولى، وهي استشعار الكمال، فتندفع بأن يعلم الممدوح أنه غير صادق في قوله كما إذا مدح بأنه نسيب[1]، أو سخي، أو عالم بعلم، أو متورع عن المحظورات، وهو يعلم من نفسه ضد ذلك، فتزول اللذة التي سببها استشعار الكمال، وتبقى لذة الاستيلاء على قلبه وعلى لسانه وبقية اللذات. فإن كان يعلم أن المادح ليس يعتقد ما يقوله، ويعلم خلوه عن هذه الصفة بطلت اللذة الثانية وهو استيلاءه على قلبه، وتبقى لذة الاستيلاء والحشمة على اضطرار لسانه إلى النطق بالثناء. فإن لم يكن ذلك عن خوف بل كان بطريق اللعب بطلت اللذات كلها، فلم يكن فيه أصلاً لذة لفوات الأسباب الثلاثة.

فهذا ما يكشف الغطاء عن علة التذاذ النفس بالمدح وتألّمها بسبب الذم، وإنما ذكرنا ذلك ليعرف طريق العلاج لحب الجاه، وحب المحمدة، وخوف المذمة، فإن ما لا يعرف سببه لا يمكن معالجته؛ إذ العلاج عبارة عن حل أسباب المرض. والله الموفِّق بكرمه ولطفه وصلى الله على كل عبد مصطفى.

بيان علاج حب الجاه:

اعلم أن من غلب على قلبه حب الجاه، صار مقصور الهم على مراعاة الخلق مشغوفاً بالتودد إليهم، والمراآة لأجلهم. ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتاً إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق وأصل الفساد، ويجر ذلك لا محالة إلى التساهل في العبادات، والمراآة بها، وإلى اقتحام المحظورات للتوصل إلى اقتناص القلوب، ولذلك شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الشرف والمال وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين وقال صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّهُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ))[2] إذ النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن بالقول أو الفعل، وكل من طلب المنزلة في قلوب الناس فيضطر إلى النفاق معهم وإلى التظاهر بخصال حميدة هو خال عنها وذلك هو عين النفاق.فحب الجاه إذاً من المهلكات فيجب علاجه وإزالته عن القلب، فإنه طبع جبل القلب عليه كما جبل على حب المال، وعلاجه مركب من علم وعمل.

أما العلم: فهو أن يعلم السبب الذي لأجله أحب الجاه وهو كمال القدرة على أشخاص الناس وعلى قلوبهم، وقد بيَّنا أن ذلك إن صفا وسلم فآخره الموت فليس هو من الباقيات الصالحات، بل لو سجد لك كل من على بسيط الأرض من المشرق إلى المغرب فإلى خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له ويكون حالك كحال من مات قبلك من ذوي الجاه مع المتواضعين له، فهذا لا ينبغي أن يترك به الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها، ومن فهم الكمال الحقيقي والكمال الوهمي


 



[1]      النسيب: الرجل الشريف المعروف حسبه وأصوله. (العامي الفصيح)

[2]      لم نجد له أصلاً.[علمية]




إنتقل إلى

عدد الصفحات

178