عنوان الكتاب: هداية الحكمة

فصل في أزلية العقول وأبديتها

أمّا كونها أزلية فلوجوه، أحدها: أن واجب الوجود مستجمع لجملة ما لا بد منه في تأثيره في معلوله، وإلا لكان له تعالى حالة منتظرة، هذا خُلف، والعقول أيضاً مستلزمة لجملة ما لا بد منه في تأثير بعضها في بعض؛ لأن كل ما يمكن لها فهو حاصل لها بالفعل، وإلا لكان شيء منها حادثاً، وكل حادث مسبوق بمادة فتكون هي مادية، هذا خلف، ويلزمه من هذا أزليتها؛ لأن المعلول يجب وجوده عند وجود علته التامة. وأما كونها أبدية فلأنه لو انعدم شيء منها لانعدم أمر من الأمور المعتبرة في وجوده، فيكون البارئ تعالى أو شيء من العقول قابلاً للتغير والحوادث، هذا خلف.

فصل في كيفية توسط العقول بين الباري تعالى وبين العالَم الجسماني

قد مرّ أن واجب الوجود واحد، ومعلوله الأول هو العقل المحض، والأفلاك معلولات للعقول، لكن الأفلاك فيها كثرة فيكون مبادئها كثيرة؛ لما بينا أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، والعقل الذي يصدر عنه الفلك الأعظم فيه كثرة، لكن لا باعتبار صدوره عن واجب الوجود، بل باعتبار أن له ماهية ممكنة الوجود لذاتها واجبة الوجود لعلتها، فيلزمه وجوب الوجود بالغير وإمكان الوجود لذاته، فيكون بأحد هذين الاعتبارين مبدأ للعقل الثاني، وبالاعتبار الآخر مبدأ للفلك الأعظم، والمعلول الأشرف يجب أن يكون تابعاً للجهة التي هي أشرف الجهات في العقل، فيكون بما هو موجود واجب الوجود بالغير مبدأ للعقل الثاني، وبما هو موجود ممكن الوجود لذاته مبدأ للفلك الأعظم، وبهذا الطريق يصدر عن كل عقل عقل وفلك، وكذلك إلى أن ينتهي إلى العقل التاسع، فيصدر عنه فلك القمر وعقل عاشر، وهو المبدأ الفياض المدبر لما تحت فلك القمر، وهو العقل الفعال، فيصدر عنه الهيولى العنصرية  والصورة النوعية المختلفة بشرط استعداد الهيولى العنصرية، وليس استعداد الهيولى لقبول الصورة من جهة العقل المفارق وإلا لما تغير الاستعداد، بل استعدادها بسبب الحركات السماوية، وكل حادث مسبوق بشرط سبق حادث؛ لأن الحركات المحدثة إما أن توجد دائماً أو بعد حدوث حادث آخر، لا سبيل إلى الأول، وإلا لزم دوام الحوادث، فهذه الحوادث إما أن توجد على سبيل الاجتماع أو على التعاقب، لا سبيل إلى الأول، وإلا لزم اجتماع أمور لها ترتب في الوجود بلا نهاية، وهو محال، فقبل كل حركة حركة وقبل كل حادث حادث لا إلى أول،


 




إنتقل إلى

عدد الصفحات

118