عنوان الكتاب: منتخب الأبواب من إحياء علوم الدين

أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال: بلى وأنا أقول لك ذلك فمن لم يعدل فيها فعليه بهلة الله، يعني لعنة الله. ولعل القليل البصيرة يرى ما ورد من فضل الإمارة مع ما ورد من النهي عنها متناقضاً وليس كذلك، بل الحق فيه أن الخواص الأقوياء في الدين لا ينبغي أن يمتنعوا من تقلد الولايات، وأن الضعفاء لا ينبغي أن يدوروا بها فيهلكوا، وأعني بالقوي الذي لا تميله الدنيا ولا يستفزه[1] الطمع ولا تأخذه في الله لومة لائم، وهم الذين سقط الخلق عن أعينهم وزهدوا في الدنيا وتبرموا بها وبمخالطة الخلق وقهروا أنفسهم وملكوها وقمعوا الشيطان فأيس منهم، فهؤلاء لا يحركهم إلا الحق ولا يسكنهم إلا الحق ولو زهقت فيهم أرواحهم فهم أهل نيل الفضل في الإمارة والخلافة ومن علم أنه ليس بهذه الصفة فيحرم عليه الخوض في الولايات.

ومن جرب نفسه فرآها صابرة على الحق كافة عن الشهوات في غير الولايات، ولكن خاف عليها أن تتغير إذا ذاقت لذة الولاية وأن تستحلي الجاه وتستلذ نفاذ الأمر فتكره العزل فيداهن خيفة من العزل، فهذا قد اختلف العلماء في أنه هل يلزمه الهرب من تقلد الولاية؟ فقال قائلون: لا يجب لأن هذا خوف أمر في المستقبل وهو في الحال لم يعهد نفسه إلا قوية في ملازمة الحق وترك لذات النفس، والصحيح أن عليه الاحتراز؛ لأن النفس خداعة مدعية للحق واعدة بالخير فلو وعدت بالخير جزماً لكان يخاف عليها أن تتغير عند الولاية، فكيف إذا أظهرت التردد؟ والامتناع عن قبول الولاية أهون من العزل بعد الشروع فالعزل مؤلم وهو كما قيل: العزل طلاق الرجال، فإذا شرع لا تسمح نفسه بالعزل وتميل نفسه إلى المداهنة[2] وإهمال الحق وتهوي به في قعر جهنم، ولا يستطيع النزوع منه إلى الموت إلا أن يعزل قهراً وكان فيه عذاب عاجل على كل محب للولاية. ومهما مالت النفس إلى طلب الولاية وحملت على السؤال والطلب فهو أمارة الشر ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّا لا نُوَلِّي أَمَرَنا مَن سَأَلَنا))[3] فإذا فهمت اختلاف حكم القوي والضعيف علمت أن نهي أبي بكر رافعا عن الولاية ثم تقلده لها ليس بمتناقض.

وأما القضاء: فهو وإن كان دون الخلافة والإمارة فهو في معناهما فإن كل ذي ولاية أمير أي له أمر نافذ والإمارة محبوبة بالطبع والثواب في القضاء عظيم مع اتباع الحق والعقاب فيه أيضاً عظيم مع العدول عن الحق وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ))[4] وقال صلى الله عليه وسلم:


 



[1]      أي لا يحركه ولا يحمله. (اتحاف)

[2]      أي المصانعة وقيل: إظهار خلاف ما يضمر. (لسان العرب)

[3]      صحيح مسلم، كتاب الامارة، باب النهي عن طلب الامارة...الخ ، الحديث : ۱۸۲٤، ص:۱۰۱٤.

[4]      سنن الترمذي ، كتاب الاحكام، باب ماجاء عن رسول الله صلی الله عليه وسلم في القاضی، الحديث :۱۳۲۷،  ٣/٦٠.




إنتقل إلى

عدد الصفحات

178